د. محمد عبد القادر
تعالج هذه الورقة مسألتين على قدر كبير من الأهمية في تناول الاقتصاد الاسرائيلي هما:
1. التحول من الاقتصاد التقليدي الى الاقتصاد المعرفي او التحول من النموذج الفوردي الي نموذج ما بعد الفوردي ومدي نجاحه في امتصاص الازمات واخرها حرب سبعه اكتوبر
2. دور اليمين الاسرائيلي وحزب الليكود في هذا التحول خصوصا وقد جاء استدعائه في معظم الاحوال عقب الأزمات الاقتصادية التي كان حزب العمل الإسرائيلي يفشل في ادارتها لتمسكه بالمظلة الاجتماعية التي يري دور الدولة في توفيرها للمواطنين.
ويمكن ان نبدأ بتأطير لمصطلحي الفوردية وما بعد الفوردية ثم نتحدث بشكل موجز عن كل مرحله منهما منذ عام 1948 وحتى الان قبل ان نتحدث عن مدى صلاحيه هذا الاقتصاد في امتصاص الازمات خصوصا واسرائيل كدوله توسعيه نادرا ما تعيش بدون حروب!
مدخل تأطيري
لم تعرف إسرائيل نموذج الإنتاج الفوردي بصورته الكلاسيكية، بل انتقلت مبكرًا إلى نموذج ما بعد الفوردي القائم على الإنتاج المرن والاقتصاد المعرفي. ويُعزى ذلك إلى تفاعل العوامل الأمنية، وضعف السوق المحلي، واندماجها في الاقتصاد العالمي، مما أدى إلى نشوء نظام ابتكار وطني يعتمد على الشبكات التكنولوجية بدل الإنتاج الصناعي الضخم.
وبشكل تأطيري يمكن التفرقة بين النظامين كالتالي:
1 . النموذج الفوردي (Fordism)
يرتبط بـ هنري فورد ويقوم على: الإنتاج الكمي الواسع (Mass Production) والتوحيد القياسي للسلع وتقسيم العمل إلى مهام بسيطة وعلى استقرار العلاقة بين الإنتاج والاستهلاك (أجور مرتفعة نسبيًا مقابل إنتاجية عالية) ويُفهم ضمن إطار “نظام تراكم” (Regime of Accumulation) صناعي كلاسيكي.
2 . نموذج ما بعد الفوردي (Post-Fordism)
ظهر منذ السبعينيات، ويتميز بـ: الإنتاج المرن (Flexible Production) وتنوع المنتجات بدل التوحيد، والاعتماد على المعرفة والتكنولوجيا وشبكات إنتاج لا مركزية. كما يرتبط بنظريات مثل: الاقتصاد المعرفي والرأسمالية المرنة ونظام الابتكار الوطني (National Innovation System)
الحديث عن المرحلة الفورديه يحتم العودة الى منتصف القرن العشرين تحديدا منذ اعلان دوله اسرائيل وكيف واجهتها في سنواتها الست الاول مرحله شديده الصعوبة عرفت بمرحله التقشف ويشير النقيب الى ان المرحلة الاولى شهدت زيادة في الطلب مما شكل ضغطا على الاسعار فارتفع معدل التضخم ما حدا بالحكومة لخفض قيمه العملة
اما المرحلة الثانية وتبدا عام 1954 وتستمر الى قبيل حرب اكتوبر فقط شهدت نموا في قطاع الصناعة وذلك بعد ان وصل قطاع الزراعة الى مستوى يؤهله لسد الطلب المحلي مدعوما بمساعدات من البنك الامريكي الاستيراد والتصدير ويشير السهلي الى ان نسبه اسهام الزراعة في الناتج المحلي ارتفعت عام 1958 الى 15% ثم ما لبثت ان تراجعت خلال الستينات الى 10% على اثر نمو قطاع الصناعة من 4.2% الي 10% عام 1964 بدعم من رؤوس الاموال الخارجية من خلال التعويضات الألمانية وهيبات ومنح يهود العالم فضلا عن السندات الحكومية التي جرى تسويقها بين يهود امريكا واوروبا الغربية. ويشير النقيب الى ان اسرائيل تلقت في الفترة من 1950 حتى عام 1974 ما يزيد عن 19 مليار دولار 67% منها عباره عن منح وهيبات ومساعدات أمريكية وتعويضات ألمانية.
اما المرحلة الثالثة فقط بدأت مع حرب اكتوبر واستمرت حتى منتصف الثمانينات وشهدت ارتفاعات في معدلات التضخم والكساد الاقتصادي فقد ادت حرب اكتوبر الى تراجع الاقتصاد الاسرائيلي نتيجة زيادة نسبه الانفاق العسكري من 21% الى 32% وذلك حتى عام 1975 كما انها ارتفاع اسعار البترول وقتها زاد من تكلفه استيراد النفط من 98 مليون دولار الى 628 مليون دولار في عام 1975 ثم الى 1.8 مليار دولار عام 1980 الامر الذي يفسر هبوط معدل النمو في اسرائيل خلال بعض سنوات السبعينات الى صفر الى ان خبيرا مثل جوناثان كانز يري ان هناك قيودا في بيئة هذا الاقتصاد تحد من نموه. وهو ما يمكن تفسيره فقطاع الزراعة على سبيل المثال يتأثر بمحدودية الارض مما يعيق نموه بعد حد معين، كما ان استدعاء الأيدي العاملة باستمرار للحروب يحول دون استغلالها في الانتاج بشكل دائم. على كل فقد كانت الازمه خلال السبعينات خانقه مما استدعى مجيء الليكود حزب اليمين الاسرائيلي الى الحكم عام 1977 منهيا بذلك هيمنة حزب العمل الاشتراكي على السياسة الإسرائيلية، وهو الحزب الذي تأسس علي يد الحركة العمالية الاشتراكية الصهيونية بأقطاب أمثال "بن جوريون" و"جولدا مائير" و"اسحاق رابين" وارتبط بتبنيه سياسات اقتصادية تقوم على دور قوي للدولة ودعم القطاع العام والنقابات وبناء دولة الرفاه. وخلفه حزب الليكود المؤمن بالليبرالية والخصخصة. والذي قام برفع بعد القيود على حركه راس المال وإلغاء بعض الضرائب وتقليص حجم الدعم لبعض السلع الرئيسة كما أعلن عن رغبته في بيع القطاع العام الامر الذي ادى الى ارتفاع التضخم المالي وكعادتها لجأت امريكا الى مد يد العون بتقديم مساعده أمريكية طارئه.
في عام 1985 كان واضحا ان حزبا الليكود لم يحقق شيئا بل انه تورط في مغامرة حربيه عام 1982 في لبنان مما اثر على الاقتصاد الذي لم يكن قد تعافى من ازمات السبعينات وتفاقمت الازمه المالية الى درجه اقتراح بعض رجال الاعمال استعمال الدولار في التعاملات كبديل للشكل وعليها فقد بدأت مرحله الاصلاح الاقتصادي والتي ستستمر لمده 11 عاما وخلال هذه الفترة حاولت حكومة العمل التي جاءت بعد هزيمه شامير مطلع التسعينات استغلال اتفاقيه السلام في اقامه نظام شرق اوسطي حيث تنخرط المنطقة في عملية تنميه شامله بالاعتماد على ثروات دول النفط وعقد مؤتمر اقتصادي بالدار البيضاء لهذا الغرض، الا ان هذه المرحلة انتهت باغتيال رابين. وبوصول نتنياهو وعودة حزب الليكود الى الحكم عام 1996 أعلن عن خطته للتخلص من القطاع العام وتحويل قطاع الاتصالات بالكامل للقطاع الخاص، كما انه انسحب من مشروع الشرق الاوسط مفضلا التركيز على العلاقات الثنائية مع بعض الدول العربية والبحث في قضايا الامن والمياه والتسلح. ومجددا يمارس حزب الليكود هوايته المفضلة في شن الحروب لتتفجر انتفاضه الاقصى عام 2000والتي استمرت حتى عام 2003 وهو العام الذي شهد تولى نتنياهو حقيبة المالية في حكومة شارون وقتها، وأعلن عن خطته في تقليص دوله الرفاه. منذ هذا الوقت شهدت إسرائيل التحول الي ما بعد الفوردية.
يشير مصطلح التحول من الفورديّة إلى ما بعد الفورديّة إلى الانتقال من الإنتاج الكمي الموحد إلى الإنتاج المرن القائم على المعرفة (Harvey, 1989) ؛ (Piore & Sabel, 1984). وفي هذا السياق، تمثل إسرائيل نموذجًا متميزًا، حيث لم تمر بمرحلة فورديّة مكتملة، وذلك بسبب: صغر السوق المحلي ومحدودية الموارد الطبيعية والطابع الأمني للاقتصاد. رغم وجود صناعات تقليدية في بدايات الدولة، إلا أنها لم تتحول إلى نظام إنتاج ضخم مستقر. ورغم ذلك قامت بتطوير اقتصادًا قائمًا على الابتكار والشبكات التكنولوجية (Breznitz, 2007؛ Razin, 2010)، مدفوعًا بدور المؤسسة العسكرية في إنتاج المعرفة (Cordey, 2019). ويتضح ذلك في:
أ. الاقتصاد المعرفي القائم على التركيز على التكنولوجيا بدل الصناعة الثقيلة وهيمنة قطاعات مثل البرمجيات والأمن السيبراني
ب. الشبكات الإنتاجية التي تقوم على انتشار الشركات الناشئة (Startups) وارتباطها بشبكات عالمية من الاستثمار
ج. الابتكار المستمر خصوصا دور وحدات مثل الوحدة 8200 في إنتاج المعرفة وانتقال التكنولوجيا من العسكري إلى المدني (Dual-use) راجع (Breznitz, Razin, Senor & Singer) نموذج الاقتصاد المعرفي.
ورغم الانتقادات الموجهة حول ازدواجية الاقتصاد حيث ان قطاع (High-Tech) متقدم مقابل قطاعات تقليدية أقل تطورًا وعدم المساواة حيث تركّز الثروة في قطاعات التكنولوجيا والاعتماد الخارجي حيث ارتباط القطاع القوي بالأسواق والاستثمارات العالمية تمثل إسرائيل حالة فريدة من “القفز البنيوي” (Leapfrogging)، حيث انتقلت من اقتصاد نامٍ محدود الموارد إلى اقتصاد معرفي متقدم دون المرور الكامل بالمرحلة الفورديّة.
والعناصر السابق الإشارة اليها تبرز كون إسرائيل ولاية متقدمة للولايات المتحدة، لاتزال تعتمد بشكل كبير علي الاستثمار العقاري لاستغلال العرض الكبير من سوق العمل الفلسطيني في هذا القطاع والذي تأثر في اعقاب حرب 2023 نتيجة الغاء إسرائيل تصاريح عمل 160 ألف فلسطيني من الضفة الغربية، كما ان تفاوت الدخول بين مهنة تحتاج لإعداد علمي كبير واخري تعتمد علي معارف تقليدية بفسر عدم المساواة، وتشير بيانات البنك الدولي ومنظمة OECD إلى أن معامل جيني في إسرائيل يتراوح تقريبًا بين: 0.39 و 0.35 وهو مستوى يُصنَّف ضمن التفاوت المرتفع نسبيًا مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي.
أخيرا فان الاعتماد الخارجي مرجعه لضعف الاستثمارات المحلية في إسرائيل وجولات التمويل المستمرة لدولة لا تزال تعتمد على تسويق سندات الخزانة لسد عجز الموازنة.
ورغم كل الصعوبات التي كانت تواجه إسرائيل منتصف الثمانينات فقد ظل الناتج المحلي الإسرائيلي يتصاعد، كما ان نصيب الفرد من الناتج المحلي كان يمثل نسبة كبيرة من مثيله بالدول الأعلى دخلا الجدول التالي يعرض لذلك:
جدول رقم (1) الأرقام القياسية لنصيب الفرد من الناتج المحلي الإسرائيلي قياسا لعض الدول خلال الفترة (1985 – 2024) | |||||||||
2024 | 2020 | 2015 | 2010 | 2005 | 2000 | 1995 | 1990 | 1985 | الدولة |
100 | 100 | 100 | 100 | 100 | 100 | 100 | 100 | 100 | إسرائيل |
107.7 | 111.1 | 99 | 87.9 | 70.8 | 97 | 87.8 | 80.3 | 73.7 | البلدان مرتفعة الدخل |
112.1 | 115.5 | 101.2 | 89.4 | 70.3 | 94.2 | 85.5 | 78.2 | 71.8 | أعضاء منظمة التعاون والتنمية |
115.4 | 116.6 | 105.1 | 83.9 | 67 | 108.3 | 81.2 | 71.2 | 88.2 | منطقة اليورو |
المصدر: حسابات الباحث بالاعتماد على بيانات البنك الدولي لعام 2025 | |||||||||
يتضح من الجدول السابق ان نصيب الفرد الإسرائيلي من الناتج المحلي الإجمالي بلغ تقريبا ثلاثة أرباع مثيله في البلدان مرتفعة الدخل وأكثر من ثلثي مثيله بالدول الأعضاء بمنظمة التعاون والتنمية وتسعة أعشار مثيله بمنطقة اليورو تقريبا. وظل نصيب الفرد الإسرائيلي يلاحق مثيله في الدول مرتفعة الدخل ولم يفوقه سوي في عام 2020 حين بلغ ما نسبته 111.1 % للدول مرتفعة الدخل و115.5 % للدول الأعضاء بمنظمة التعاون التنمية و116.6% من دول منطقة اليورو وان كانت هذه النسب قد تأثرت قليلا بسبب الحرب على غزة كما يظهر من بيانات 2024.
شكل رقم (2) تطور الصادرات الإسرائيلية (1988 – 2025)

يتضح من الشكل السابق ان الصادرات كانت تنمو باضطراد حتى بداية الألفية اذ صارت أكثر عرضة للتقلبات العالمية كالأزمة الاقتصادية العالمية 2008 وأزمة كورنا الأمر الذي يعني ان الاقتصاد الإسرائيلي صار أكثر تأثر بالاقتصاد العالمي
الصناعات الفائقة
شهدت إسرائيل تطورًا ملحوظًا في قطاع الصناعات التكنولوجية المتقدمة (High-Tech)، ما جعلها تُصنَّف ضمن الاقتصادات القائمة على المعرفة. ويخطئ من يعتقد ان الصناعات المتقدمة هي وليدة العقد السابق فالحقيقة ان اهتمام إسرائيل بها بدأ منذ ستينات القرن الماضي وهو ما رصده مدير المخابرات المصرية الأسبق صلاح نصر في كتابه الحرب الاقتصادية في المجتمع الإنساني من انه بينما اختارت الدول العربية الصناعات الثقيلة فان إسرائيل بتأثير انخفاض حجم سكانها وتركيزهم علي خصائص السكان اختارت الصناعات الالكترونية.
وقد ظهرت النواة الأولى مع تأسيس مؤسسات علمية قوية مثل معهد وايزمان للعلوم، والتركيز على البحث العلمي والتقني، خاصة في مجالات الزراعة والصناعات العسكرية. وفي السبعينات بدأت شركات التكنولوجيا الأولى في الظهور، وافتتحت شركة إنتل أول مركز تطوير لها في إسرائيل عام 1974، وهو حدث مهم مهّد لنمو القطاع.
وقد حاولت الدراسات الأكاديمية تفسير هذا التحول من خلال تحليل العلاقة بين السياق الأمني–العسكري من جهة، وبنية الاقتصاد الابتكاري من جهة أخرى. ويري الباحثون (Razin, 2010؛ Senor & Singer, 2009). أن هذا النمو لا يمكن فهمه دون النظر إلى الدور البنيوي للمؤسسة العسكرية في إنتاج المعرفة التكنولوجية، فالمؤسسة العسكرية في إسرائيل لا تقتصر على أداء دور دفاعي، بل تعمل بوصفها مؤسسة معرفية إنتاجية. وتبرز أهمية وحدات مثل الوحدة 8200، التي تُعد من أبرز مراكز تطوير التكنولوجيا الاستخباراتية. ويؤكد (Cordey, 2019) أن هذه الوحدة توفر بيئة تدريب متقدمة في مجالات: تحليل البيانات والأمن السيبراني والبرمجة المتقدمة وتُسهم هذه الخبرات في تكوين رأس مال بشري عالي الكفاءة ينتقل لاحقًا إلى القطاع المدني، مما يعزز ريادة الأعمال التكنولوجية. كما أن الخدمة في هذه الوحدات تمثل “رأسمالًا اجتماعيًا” يسهّل تأسيس الشركات الناشئة.
وتُعد نظرية “التكنولوجيا مزدوجة الاستخدام” من الأطر التفسيرية الأساسية لفهم العلاقة بين العسكري والمدني. إذ تشير إلى أن الابتكارات التكنولوجية التي تُطوَّر لأغراض عسكرية يمكن إعادة توظيفها في مجالات مدنية. في الحالة الإسرائيلية، يظهر هذا النمط بوضوح في مجالات مثل: الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتقنيات الاتصالات، حيث تنتقل المعرفة من المجال العسكري إلى السوق المدني، مما يؤدي إلى تسريع الابتكار ونمو الشركات التكنولوجية (arXiv, 2021 & 2024)
ولا شك ان مفهوم “اقتصاد الأمن” أسهم بشكل كبير في النمو التكنولوجي في إسرائيل. ووفقًا لهذا المفهوم، فإن التهديدات الأمنية المستمرة، خاصة بعد أحداث مثل حرب 1967 وحرب 1973، دفعت الدولة إلى: زيادة الإنفاق على البحث والتطوير ودعم الابتكار التكنولوجي وتعزيز التعاون بين الجيش والقطاع الخاص. وقد أدى ذلك إلى خلق بيئة مؤسسية تُحفّز الابتكار وتدعم انتقال التكنولوجيا إلى الاستخدام المدني.
ولا يمكن فصل تطور قطاع الهاي تك عن السياسات الحكومية التي دعمت الابتكار، خصوصًا برنامج "يوزما" وهي كلمة عبرية تعني المبادرة أو الابتكار والذي ظهر في التسعينيات ولعب دورًا محوريًا في: جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير سوق رأس المال المخاطر ودعم الشركات الناشئة والاستفادة من تدفق العلماء الفارين من الاتحاد السوفيتي المنهار. كما أن هذا البرنامج شكّل حلقة وصل بين المعرفة التكنولوجية الناتجة عن المؤسسة العسكرية وبين تحويلها إلى منتجات تجارية.
تشكل صناعات التكنولوجيا المتقدمة او هاي -تك حاليا العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي وقد نجح هذا القطاع في التعملق خلال العشر سنوات السابقة على الحرب في غزة ليكون قاطرة للنمو الاقتصادي في إسرائيل ووفقًا لتقرير "حالة التكنولوجيا المتقدمة - 2023” يُعد قطاع التكنولوجيا المتقدمة القطاع الأسرع نموًا في الاقتصاد، إذ يتميز بأعلى إنتاجية وأكبر مساهمة فيه.
فيما يلي بعض أبرز ما جاء في التقرير:
• خلال العقد الماضي، أصبح قطاع التكنولوجيا المتقدمة أكبر القطاعات وأسرعها نموًا في الاقتصاد الإسرائيلي. فهو مسؤول عن الحصة الأكبر من صادرات إسرائيل، وأعلى معدل نمو في عدد العاملين، وأسرع زيادة في الأجور.
• في عام 2022، شكّل قطاع التكنولوجيا المتقدمة 18.1% من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل، مما يجعله أكبر قطاع من حيث الناتج الاقتصادي.
وبالتحديد، بلغت نسبة رأس المال الأجنبي في رأس المال الاستثماري الإسرائيلي خلال عامي 2021-2022 ما لا يقل عن 75% إلى 80%.
وقد نمت الاستثمارات في الشركات الناشئة الإسرائيلية بأكثر من خمسة أضعاف بين عامي 2013 وبداية عام 2023، حيث بلغ إجمالي الاستثمارات حوالي 95 مليار دولار أمريكي خلال هذه الفترة. وهذا يضع الابتكار الإسرائيلي في المرتبة السادسة عالميًا من حيث رأس المال المُجمّع للشركات الناشئة خلال الفترة المدروسة.
وفي أبريل 2023، بلغ عدد شركات التكنولوجيا في إسرائيل التي جمعت تمويلًا من المستثمرين 9,093 شركة. وهذا يجعل بيئة الشركات الناشئة الإسرائيلية ثالث أكبر بيئة من نوعها عالميًا في هذا الصدد، مما يُبرز إسرائيل كمركز رائد للشركات الناشئة على مستوى العالم.
جدول رقم (2) بعض مؤشرات قطاع التكنولوجيا المتقدمة بإسرائيل | ||
بيان | 2012 | 2022 |
القطاع كنسبة من الناتج المحلي | 14% | 20% |
حجم الإنتاج الإجمالي للقطاع | 126 | 290 |
صادرات القطاع | 14.6 | 47.8 |
حجم التمويل | 3.3 مليون دولار * | 16.7 مليون دولار |
المصدر: تقرير هيئة الابتكار سنوات مختلفة *أرقام عام 2013 | ||
يتضح من الجدول السابق ان نسبة اسهام صناعات التكنولوجيا المتقدمة بالناتج المحلي زادت بمقدار النصف تقريبا، كما زاد حجم الإنتاج الإجمالي في قطاع التكنولوجيا المتقدمة بـ 230.2% كما شهدت الصادرات نموًا بلغ 3.3 أضعاف خلال هذه الفترة. كما يلاحظ نمو متوسط حجم جولات التمويل خمسة أضعاف، بين عامي 2013 و2022.
ويشير التقرير في نسخته الصادرة عام 2023 أنه في عام 2012، كان إنتاج قطاع التكنولوجيا المتقدمة أكبر بنسبة 50% من إنتاج قطاعي التجارة والتجزئة، اللذين يشكلان ثاني أكبر قطاع اقتصادي في إسرائيل. وفي عام 2022، تجاوزت الفجوة بينهما 90%. كما يشير لاستحواذ قطاع التكنولوجيا المتقدمة على 48.3% من إجمالي صادرات إسرائيل عام 2022، وبلغت هذه النسبة حوالي 53% عام 2023. ووصل إجمالي صادرات هذا القطاع إلى 74 مليار دولار. ويرصد التقرير ساهم قطاع التكنولوجيا الحديثة بنسبة 40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل خلال الفترة من 2018 إلى 2023، كما ساهم بربع الزيادة في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا منذ عام 2018. كما بلغ إجمالي عدد العاملين في قطاع التكنولوجيا الحديثة حوالي 402 ألف عامل في عام 2022، ثم انخفض إلى حوالي 400 ألف عامل في عام 2023. وقد زاد عدد العاملين في هذا القطاع خلال الفترة من 2018 إلى 2023 بنسبة 60%، أي ما يعادل حوالي 150 ألف عامل.
ويعمل في إسرائيل حوالي 850 صندوقًا استثماريًا، منها 306 صناديق إسرائيلية وحوالي 540 صندوقًا دوليًا. وقد استثمرت هذه الصناديق حوالي 1.52 مليار دولار في عام 2023.
بلغ متوسط الراتب في قطاع التكنولوجيا المتقدمة ما يقارب ثلاثة أضعاف متوسط الراتب في الاقتصاد الإسرائيلي عموماً عام 2022.
وبناءً على بيانات التقرير، يتضح أن قطاع صناعات التكنولوجيا الحديثة يُشكل ركيزة أساسية في الاقتصاد الإسرائيلي، من حيث مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، والتوظيف، والنمو الاقتصادي، والاستثمارات الأجنبية، والصادرات، فضلاً عن كونه مصدراً للعملات الأجنبية.
تأثير الحرب على غزة ولبنان على الاقتصاد الإسرائيلي:
في أعقاب العمليات العسكرية وخلال الأسابيع الأولى من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بدأت المؤشرات الحيوية للاقتصاد الإسرائيلي بالتدهور السريع، وفي غضون أيام، اضطر البنك المركزي إلى تخصيص 30 مليار دولار من احتياطاته من العملات الأجنبية لتلبية الطلب المتزايد، وذكر تقرير معهد واشنطن ان قيمة الشيكل الإسرائيلي انخفضت إلى أدنى مستوى له مقابل الدولار في ثماني سنوات. وبالمثل، خسر سوق الأسهم الإسرائيلي حوالي 9% من قيمته خلال الأسبوع الأول من العملية، وهو أكبر انخفاض له في عشر سنوات. واستمر التراجع الحاد على مدى الأسبوعين التاليين، حيث فرّ المستثمرون الأجانب المذعورون، وانخفض المؤشر بأكثر من 22% عن مستواه في 6 أكتوبر. وكانت البنوك أكبر الخاسرين من حيث القيمة السوقية، حيث خسرت حوالي 20%، وهي أكبر خسارة لها منذ جائحة كوفيد-19.
وزارة الاقتصاد السويسرية وهي أكبر شريك أوروبي لإسرائيل ذكرت في تقريرها عن إسرائيل ان الاقتصاد الإسرائيلي يواجه الآن تحديات أكثر جوهرية أثرت بشكل كبير على أدائه. في الربع الأخير من عام 2023، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.8% مقارنةً بالربع السابق، وبنسبة 4% مقارنةً بالربع نفسه من عام 2022، وهو أكبر انكماش منذ بدء الجائحة. وكان هذا نتيجة طبيعية لتفاقم حالة عدم اليقين والخوف بين الأسر والشركات. ونتيجةً لذلك، انخفض الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 26.9%، والاستثمار بنسبة 67.8%، وانخفضت الصادرات بنسبة 18.3%، وشهدت الواردات انخفاضًا حادًا، قُدِّر بنحو 42%.
وبسبب الدواعي الأمنية قامت إسرائيل بتعليق تصاريح العمل لأكثر من 160 ألف عامل فلسطيني، غالبيتهم يعملون في قطاعات البناء والزراعة والسياحة، واستدعاء نحو 360 ألف جندي احتياطي، معظمهم يعملون في أنشطة رئيسية مثل قطاع التكنولوجيا المتقدمة، والخدمات المالية، والذكاء الاصطناعي، والصناعات الدوائية، والزراعة، والتي كانت المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي الإسرائيلي خلال السنوات القليلة الماضية.
بعد ثلاثة أشهر من العملية العسكرية بدأت العجلة تدور، ويرصد تقرير المركز العربي واشنطن دي سي ذلك قائلا: بدأ الاقتصاد الإسرائيلي بالعودة تدريجيًا إلى وضعه الطبيعي - ولكن مع استمرار الحرب لفترة طويلة
كجزء لا يتجزأ منه. استمرت القطاعات الأقل تأثراً بالاعتبارات اللوجستية والأقل اعتماداً على العمالة الفلسطينية أو قوات الاحتياط في النمو على نفس المسار الذي كانت عليه قبل عمليات حماس. من ناحية أخرى، لا تزال بعض الأنشطة تعاني تحت وطأة التحديات التي أعاقت تطورها ونموها، بينما تكافح أنشطة أخرى من أجل البقاء.
ويرصد ماتينز النتيجة الإجمالية لهذه الديناميكية قائلاً: أسفرت عن انخفاض طفيف في الناتج الاقتصادي الحقيقي لإسرائيل، بنحو نصف نقطة مئوية في النصف الأول من عام 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. مفسراً عدم انزلاق الاقتصاد الإسرائيلي إلى انكماش كبير بفضل زيادة الإنفاق العسكري، الذي يُصرف معظمه محليًا على شكل رواتب إضافية لما يُقدّر بنحو 360 ألف جندي احتياطي، وتكاليف إجلاء ورعاية عشرات الآلاف من الإسرائيليين النازحين من المناطق الحدودية الشمالية والجنوبية. وخلال الربع الأول من عام 2024، بلغ الإنفاق الحكومي الاستهلاكي حوالي 23.5 مليار شيكل إسرائيلي، مقارنةً بحوالي 94 مليار شيكل إسرائيلي في الفترة نفسها من عام 2023، أي بزيادة قدرها 31.4%. ولولا هذا الإنفاق، لانزلق الاقتصاد الإسرائيلي إلى ركود حاد، نظرًا للانخفاض الحاد في الاستثمار بنسبة 15.2% خلال النصف الأول من هذا العام مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2023، والانخفاض بنسبة 5.9% في صادرات السلع الأساسية، والانخفاض بنسبة 3.2% في قطاعي السلع والخدمات مجتمعين.
ووفقًا لبيانات المكتب المركزي للإحصاء، فقد انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.4% في الربع الثاني من عام 2024 مقارنةً بعام 2023. أما بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي للأعمال، فقد شهد انخفاضًا حادًا بنسبة 4.8% في الربع الثاني من عام 2024، مما يعني دخول الاقتصاد في حالة ركود. كما انخفض حجم الصادرات بنسبة 8.1%، وتراجعت واردات السلع والخدمات بنسبة 9.8%، وتباطأت الاستثمارات العقارية بنسبة 16.9%.
وبحسب وزارة المالية وبنك إسرائيل، انخفض النمو المتوقع في عام 2023 من 3% إلى 1.5%. وتوقعا تباطؤ النمو في عام 2024 من 3% إلى حوالي 1.7%. والذي حدث ان النمو هبط الي 1.5%. بينما ذكر معهد آرون للسياسات الاقتصادية (Aaron Institute for Economic Policy) الذي يُعد أحد أبرز مراكز التفكير الاقتصادي في إسرائيل، وهو تابع لـ جامعة رايخمان في هرتسليا. ويرأسه الاقتصادي الإسرائيلي: تسفي إيكشتاين النائب السابق لمحافظ بنك إسرائيل. أصدر توقعات متشائمة حول نفس المؤشرات متوقعا انخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5%؛ ووصول العجز المالي في الناتج المحلي الإجمالي إلى حوالي 9%؛ ووصول نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 71 %. كما قدر المعهد أن يبلغ النمو الاقتصادي حوالي 1.7% في عام 2025، وأن ينخفض العجز إلى 7.8% من الناتج، بينما سيرتفع الدين الخارجي إلى 76% من الناتج المحلي الإجمالي. لاحقا أصدر المعهد تقريره حذر خلاله من أن إسرائيل لم تعد تواجه: صدمة اقتصادية قصيرة، بل دخلت مرحلة: "تكلفة أمنية دائمة” حيث افترض المعهد: استمرار الحروب متعددة الجبهات خلال العقد القادم، وارتفاع الإنفاق العسكري إلى نحو: 5.5% من الناتج المحلي سنويًا. مما يعني ضغطًا متزايدًا على الموازنة، وارتفاع الدين العام، وتراجع الإنفاق الاجتماعي.
كما توقع المعهد ارتفاع الدين العام الإسرائيلي إلى: نحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي
في حال استمرار الحرب وارتفاع الإنفاق الدفاعي. بينما كانت إسرائيل قبل الحرب تُعد من الدول ذات الدين المنخفض نسبيًا مقارنة بالاقتصادات الغربية.
ويرصد تقرير منظمة التعاون والتنمية مؤشرات الاقتصاد الإسرائيلي حتى عام 2025 مع توقعاته لعام 2026 وهو ما يعرض له الجدول التالي:
جدول رقم (3) تطور المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الإسرائيلي (2023 – 2025) وتوقعات عام 2026 | ||||
*2026 | 2025 | 2024 | 2023 | البند |
5.5 | 3.4 | 1 | 1.7 | الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي |
6 | 5.6 | 3.7 | -1.2 | الاستهلاك الخاص |
0.8 | 0.9 | 13 | 8 | الاستهلاك الحكومي |
4.6 | 8.7 | -6.7 | -1.6 | تكوين رأس المال الثابت الإجمالي |
8.9 | 4.1 | -5.6 | -1.1 | صادرات السلع والخدمات |
5.2 | 4.9 | -0.4 | -7.5 | واردات السلع والخدمات |
1.6 | 2.2 | 3 | 3.4 | معدل البطالة (كنسبة مئوية من القوى العاملة) |
2.6 | 3.7 | 3.1 | 4.2 | مؤشر أسعار المستهلك |
-3.8 | -4.7 | -8.2 | -5.1 | الميزان المالي للحكومة العامة (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) |
65.4 | 66.6 | 66.2 | 61.6 | الدين العام للحكومة العامة (كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) |
المصدر: قاعدة بيانات التوقعات الاقتصادية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: الإحصاءات والتوقعات. | ||||
يتبين من الجدول السابق ان منظمة التعاون والتنمية تتوقع ان يزيد الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام بمعدل 5.5% وان يرتفع الاستهلاك الخاص الي 6% وان تنخفض البطالة الي 1.6% وان ينخفض كلا من عجز الموازنة والدين العام الي 3.8% و 65.4% كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
رغم كل ما كتب عن أزمة إسرائيل الاقتصادية جراء الحرب علي غزة ولبنان الا انه لا يعادل ما ذكره المحاسب العام، "ياهلي روتنبرغ" في بيان وزارة المالية بخصوص الدين العام اذ أعطي تفاصيل دقيقة عن مكوناته والسياسات العامة بشأنه، فقد جاء في تقريره الذي صدر بتاريخ 21 يناير 2025 ان نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024 ارتفعت بنسبة 7.7% لتصل إلى 69.0% مقارنةً بـ 61.3% في عام 2023، كما ارتفعت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7.7% لتصل إلى 67.6% مقارنةً بـ 59.9% في عام 2023.
وأشار البيان الي انه في العامين الماضيين، وفي ضوء الحرب، ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بمعدل تراكمي قدره 9.0%، مع زيادة قدرها 7.7% لعام 2024.
ووفقا للبيان فقد بلغ الدين الحكومي لعام 2024 حوالي 1,329.3 مليار شيكل إسرائيلي، مقارنةً بحوالي 1,127.4 مليار شيكل إسرائيلي في عام 2023. ويعود سبب زيادة الدين الحكومي إلى صافي اقتراض إيجابي بقيمة 172 مليار شيكل إسرائيلي تقريبًا، وتأثيرات السوق على رصيد الدين (التضخم، والفائدة، وسعر الصرف) والتي بلغت حوالي 30 مليار شيكل إسرائيلي.
كما ذكر البيان ان عجز الموازنة بلغ في عام 2024 نسبة 6.9% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 136.2 مليار شيكل إسرائيلي تقريبًا. وبلغ إجمالي الإنفاق الحكومي لهذا العام حوالي 621 مليار شيكل إسرائيلي، منها حوالي 100 مليار شيكل إسرائيلي مخصصة لدعم المجهود الحربي، على الصعيدين الأمني والمدني.
في عام 2024، بلغ إجمالي الدين المُقترض حوالي 278 مليار شيكل، وتمّ ذلك عبر ثلاث قنوات رئيسية: الدين المحلي القابل للتداول (79%)، والدين المحلي غير القابل للتداول (2%)، والدين الخارجي (19%). ومنذ بداية حرب السيوف الحديدية، جمع المحاسب العام ديونًا بلغ مجموعها حوالي 360 مليار شيكل، منها حوالي 272 مليار شيكل عبر قناة الدين المحلي القابل للتداول، وحوالي 5 مليارات شيكل عبر قناة الدين المحلي غير القابل للتداول، وحوالي 83 مليار شيكل عبر القناة الخارجية.
ولا يعد المحاسب العام حجم الدين السنوي المُقترض، والبالغ حوالي 278 مليار شيكل مؤشراً سلبياً، بل يراه مؤشرا إلى سهولة الوصول إلى أسواق رأس المال المحلية والخارجية حتى في أوقات الحرب، مما أدى إلى ارتفاع الطلب على السندات الحكومية طوال العام. ويذكر المحاسب العام بأزمة كورونا للمقارنة، ففي عام 2020، ارتفع الدين الحكومي بما يقارب 265 مليار شيكل، مما أدي لارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 11.6%، وفي الوقت نفسه اشترى بنك إسرائيل سندات حكومية في السوق الثانوية بما يقارب 46 مليار شيكل (من أصل خطة بقيمة 85 مليار شيكل).
أما وزير المالية بتسلئيل سموتريتش فقد أعلن:
"دخلنا الحرب بنسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي منخفضة، حوالي 60%. وقد منحنا هذا مرونة مالية تمكننا من تمويل احتياجات الحرب، والاستجابة لجميع متطلباتها على الجبهة وفي المناطق الخلفية، ودعم السكان النازحين والجنود الاحتياطيين والشركات في جميع أنحاء البلاد بسياسة مدنية موسعة. في عام 2024، اشتدت الحرب، وواجهت دولة إسرائيل حربًا متعددة القطاعات لم تنتهِ بعد. ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 69%، ولكن مع ميزانية متوازنة وفعالة مدعومة بمحركات النمو، وإيمانًا منا بقوة الاقتصاد الإسرائيلي، سنتمكن، بعون الله، من تثبيت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على المدى القريب، بل والبدء في خفضها."
لقد اعتبرت إسرائيل قطاع الصناعات الفائقة الذي سيقوم بامتصاص الأزمات لكن الحرب تركت تأثيرها عليه؛ ففي عام 2024 أظهر تقرير هيئة الابتكار أن عام 2023 شهد توظيف 396 ألف عامل، بزيادة 2.6%، وشكلت الهايتك 19.7% من الناتج المحلي. الا انه رصد التحديات التي باتت تواجه هذا القطاع منذ اندلاع الحرب لخصها في:
· تراجع الاستثمارات: انخفاض في حجم صناديق رأس المال المخاطر (VC Funds).
· تأثير الحرب: مخاوف المستثمرين والشركات بشأن مستقبل الاستقرار، خاصة مع تأثيرات الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر.
وفي منتصف العام الماضي أصدرت هيئة الابتكار الإسرائيلية تقريرها السنوي لعام 2025 (والذي يغطي معطيات 2024 والنصف الأول من 2025)، وأشار التقرير إلى حالة من الركود في قطاع الهايتك الإسرائيلي مع مؤشرات استقرار، وتحديات هيكلية مستمرة، خاصة في ظل الظروف الأمنية، وفيما يلي أبرز النتائج:
· ركود في النمو: شهدت إنتاجية الهايتك والتوظيف حالة ركود للسنة الثالثة على التوالي، بعد سنوات من النمو السريع.
· تعافي التمويل: عادت استثمارات الشركات الناشئة (Fundraising) إلى مستويات ما قبل عامي 2019-2020، مما يشير إلى نوع من التعافي في التمويل الرأسمالي.
· انخفاض الموظفين: سُجّل انخفاض بنسبة 6.5% في عدد الموظفين بوظائف البحث والتطوير في النصف الأول من 2025 مقارنة بفترة مماثلة من 2024.
· صادرات الهايتك: بلغت صادرات الهايتك 78 مليار دولار في عام 2024، بزيادة 5.6% عن 2023. في النصف الأول من 2025، شكلت الهايتك 57% من إجمالي الصادرات (72% منها خدمات برمجيات).
· التكنولوجيا العميقة (Deep-tech): يضم هذا القطاع أكثر من 1,500 شركة نشطة، وتعتبر إسرائيل مركزاً عالمياً رئيسياً لهذا النوع من التكنولوجيا.
· انخفاض الشركات الناشئة: عدد الشركات الناشئة الجديدة التي يتم تأسيسها أقل من نصف ما كان عليه قبل عقد من الزمان.
الخلاصة
بدأت إسرائيل المرحلة الأولي بعد إقامة الدولة اشتراكية خصوصا مع اعتمادها علي بني اشتراكية مثل الكيبوتز والهيستدروت، مما مكنها من اجتذاب المهاجرين وإقامة مساكن لهم وتوفير فرص عمل. وبعد حرب أكتوبر وتراجع وهج الأفكار الاشتراكية وعجز الاقتصاد التقليدي الفوردي عن تمويل الحروب حدث الانقلاب الكبير في التوجهات الذي مهد للتحول الي اقتصاد السوق وتبني الاقتصاد المعرفي والشبكي وهو ما لم يكن ممكنا حدوثه مع اقتصاد يقوم علي القطاع العام ونقابات العمال لذا فقد بدأ نتنياهو منذ ربع القرن في تقليص دولة الرفاه وتبني سياسات نيوليبرالية ربطت الاقتصاد الإسرائيلي بالاقتصاد العالمي وأدت لتفاوت كبير بين الإسرائيليين وان كان قد نجح في زيادة الناتج المحلي وبالتالي نصيب الفرد منه في ظل دولة لا يجاوز عدد مواطنيها عن 10.5 مليون نسمة. الا ان التوترات السياسية التي تفتعلها إسرائيل تؤثر في القطاع المعولم وخصوصا الاغلاق الجوي الذي حدث عقب اندلاع حرب غزة، وبالتالي فان التوجه الحديث لرجال هذا القطاع هو الإطاحة بنتنياهو من أجل توفير الاستقرار المطلوب للنمو. وتعطي بعض التقارير توقعات إيجابية بشأن تعافي الاقتصاد الإسرائيلي خصوصا بعد تثبيت وقف إطلاق النار في غزة وان كانت الجولة الحالية مع إيران لم تنته بعد، الا ان معهد آرون يتوقع امتداد المواجهات لنحو عقد قادم وما يستتبعه من زيادة الانفاق العسكري وارتفاع نسبة الدين العام لأربعة أخماس الناتج المحلي.
قائمة المراجع الأجنبية:
· Cordey, S. (2019). The Israeli Unit 8200. ETH Zurich.
· Razin, A. (2010). Israel and the World Economy. MIT Press.
· Senor, D., & Singer, S. (2009). Start-Up Nation.
· Studies on dual-use technology (arXiv, 2021; 2024).
· Mtanes Shihadeh, The Estimated Cost of the Gaza War on the Israeli Economy, January 2025
· A Year into Gaza War, Israel’s Economy is on the Rocks, Economic Analyses | 14 October 2024. www.dohainstitute.org
· “Exports of Goods and Services,” Moody’s Analytics, accessed on 2/10/2024, at :https://acr.ps/1L9zOiZ.
· “Quarterly Government Consumption in Israel from 2022 to 2024,” Statista, 18/9/2024, accessed on 1/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zOWE.
· “Israel Gross Fixed Capital Formation,” Trading Economics, accessed on 2/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zOXS.
· “International Merchandise Trade Statistics: Exports: Commodities for Israel,” Federal Reserve Bank of St. Louis, July 2024, accessed on 1/10/2024, at: https://acr.ps/1L9zOVU.
· OECD Economic Surveys: Israel 2025, April 2025, Volume 2025/7
· Aaron institute for economic policy
https://www.runi.ac.il/research-institutes/economics/aiep/arabic/policy-papers
قائمة المراجع العربية
· حسن أبو النمل، "تحولات الاقتصاد الإسرائيلي"
· سمير عبد الله وسمير البرغوثي، "الاتجاهات العامة في تطور الاقتصاد الإسرائيلي".
· صلاح نصر في كتابه الحرب الاقتصادية في المجتمع الإنساني.
· فضل النقيب، "الاقتصاد الإسرائيلي في إطار المشروع الصهيوني"
· نبيل السهلي، "تطور الاقتصاد الإسرائيلي ( 1948 – 1996)".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق