محمد عبد القادر
يُعدّ الإبداع الفني والأدبي نتاجًا معقدًا يتداخل فيه ما هو داخلي )الموهبة الفردية، التجربة الذاتية، التكوين النفسي( مع ما هو خارجي )الظروف الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، والثقافية.( هذه العلاقة الجدلية تثير سؤالًا محوريًا طالما شغل الباحثين في مجالات علم الاجتماع والفن :هل المجتمع هو الذي يخلق مبدعيه عبر تشكيل بيئتهم وظروفهم، أم أن المبدعين هم الذين يعيدون صياغة المجتمع ويؤثرون في مساره؟
المبحث الأول: نبذة تاريخية:
يُعدّ الأخوان عاصي ومنصور رحباني من أبرز رواد النهضة الفنية اللبنانية في منتصف القرن العشرين، حيث أسهما في تأسيس الأغنية والمسرح الغنائي الحديث بالتعاون مع فيروز. غير أن مسيرة الإبداع الرحباني لم تتوقف عندهما، إذ جاء زياد الرحباني في السبعينات والثمانينات ليقدّم رؤية فنية مختلفة، متأثرة بظروف سياسية واجتماعية أكثر تعقيدًا. يهدف هذا البحث إلى دراسة تأثير الظروف السياسية والاجتماعية في لبنان خلال الخمسينات والستينات على إبداع الأخوين رحباني، ثم مقارنته مع أعمال زياد الرحباني التي جسدت تحولات جديدة في الفن اللبناني.
أولًا: السياق السياسي والاجتماعي للبنان(1950–1969)
رغم الانفتاح الثقافي الذي عاشته لبنان في اعقاب استقلالها عام 1943، اذ كانت بيروت مركزًا عربيًا للفكر والفن، مع حرية نسبية مقارنة بالدول المجاورة. الا ان الأزمات السياسية مثل أحداث 1958 أبرزت هشاشة النظام الطائفي، وأثرت على المزاج العام. ثم ان التأثير الإقليمي عليها بصعود المد القومي العربي بقيادة جمال عبد الناصر، والصراع العربي–الإسرائيلي، انعكس على الخطاب الفني اللبناني.
ثانياً: ملامح الإبداع الرحباني
رغم ان المسرح الغنائي لدي الرحابنة كان طاغيا علي انتاجهم الفني بأعمال مثل جسر القمر (1962) وبياع الخواتم (1964) جسدت القرية اللبنانية كرمز للوحدة والصفاء. الا ان الأغنية الوطنية وجدت طريقا الي انتاجهم فأغنيات مثل بكتب اسمك يا حبيبي حملت رمزية سياسية عن الوطن والحرية. وقد تميز انتاج الرحابنة بالتجديد الموسيقي عن طريق مزج الفولكلور اللبناني بالتوزيع الغربي الحديث، مما عكس الانفتاح الثقافي في بيروت.
ثالثاً: زياد الرحباني والسياق الجديد(1970–1990)
علي خلاف الرحابنة ممن فضلوا التركيز على الأعمال الرومانسية والاهتمام بالنواحي الفنية والجمالية مع بعض الأغاني والوطنية، الا ان "زياد" بدا من اللحظة الأولي متأثرا بالظروف السياسية وجاءت الحرب الأهلية اللبنانية (1990–1975) لتغيّر المشهد الفني كليًا، حيث أصبح الفن وسيلة للتعبير عن الانقسام والواقع المرير. ولم تكن الظروف الاجتماعية أقل حدة اذ انعكس تفكك البنية الاجتماعية التقليدية، وظهور أزمات اقتصادية ومعيشية في أعمال زياد. فجاء الخطاب الفني لزياد تبنّيا لأسلوب نقدي ساخر، بعيدًا عن الرمزية المثالية التي ميّزت أعمال والده وعمه.
كان إبداع الأخوين رحباني نتاجًا مباشرًا للانفتاح الثقافي والأزمات السياسية المحدودة في لبنان خلال
الخمسينات والستينات، حيث سعى إلى بناء هوية وطنية جامعة عبر الفن. أما زياد الرحباني، فجاء في سياق الحرب الأهلية ليقدّم فنًا نقديًا ساخرًا يعكس الانقسام والواقع المرير. هكذا يظهر الفن الرحباني في مسارين متكاملين: الأول مثالي–وطني، والثاني واقعي–نقدي، وكلاهما يشكّل جزءًا من الهوية الثقافية اللبنانية
البدايات
وُلد زياد الرحباني عام 1955، وهو ابن السيدة فيروز والملحن الكبير عاصي الرحباني. وجاء مولده منتصف الخمسينات في بيئة سياسية واجتماعية متوترة، حيث كان البلد يعيش مرحلة ازدهار ثقافي واقتصادي ظاهري، لكنه في العمق يعاني من انقسامات طائفية وبنيوية تراكمت حتى انفجرت في الحرب الأهلية عام .1975أولى محاولاته كانت في سن الرابعة عشرة حين لحّن أغنية "ضلي حبيني يا لوزية"، ما كشف مبكراً عن موهبة موسيقية فذة. في سن السابعة عشرة بدأ مشواره الفني المستقل، بعيداً عن المدرسة الرحبانية التقليدية، متجهاً نحو أسلوب أكثر جرأة وارتباطاً بالواقع الاجتماعي والسياسي.
الإنتاج الموسيقي
الأغاني :قدّم عشرات الأغنيات التي مزجت بين الجاز والموسيقى الشرقية، أبرزها :بما إنو، أنا مش كافر، بكتب اسمك يا حبيبي، عالحدود، بعتذر وغيرها. تعاون مع فيروز فلحّن لها أعمالًا بارزة مثل سألوني الناس ومشيتلك حافي الشوك، مضيفاً نكهة جديدة على صوتها الأسطوري. تميز انتاجه بالتجديد فأدخل أنماطاً موسيقية غربية مثل الجاز والبلوز إلى الأغنية اللبنانية، ما جعله أحد أبرز المجددين في الموسيقى العربية.
المسرح السياسي والاجتماعي
كتب وأخرج مسرحيات ساخرة أصبحت علامات فارقة في المسرح اللبناني مثل :
· بالنسبة لبكرا شو (1978)
· فيلم أميركي طويل (1980)
· بخصوص الكرامة والشعب العنيد (1993)
وقد مزجت هذه الأعمال بين الكوميديا السوداء والنقد السياسي والاجتماعي، معبرة عن هموم المواطن اللبناني خلال الحرب الأهلية وما بعدها.
الكتابة والفكر
لم يكن زياد موسيقياً فقط، بل كان كاتباً ومفكراً يسارياً، ارتبط بالحزب الشيوعي اللبناني، وعبّر في أعماله عن قضايا العدالة الاجتماعية والحرية. كتاباته ومقالاته وأغانيه حملت لغة يومية قريبة من الناس، جعلته صوتاً شعبياً بامتياز.
الإرث والرحيل
زياد الرحباني ترك إرثاً فنياً استثنائياً امتد من أولى محاولاته في سن المراهقة حتى رحيله عام 2025، جامعاً بين الموسيقى والمسرح والسياسة والفكاهة، ومؤسساً لمدرسة خاصة في الفن اللبناني والعربي.
وقد حصل على وسام الأرز الوطني من رتبة كومندور عام 2025 تقديراً لمسيرته. ورحل في 26يوليو 2025
عن عمر 69 عاماً بعد معاناة مع المرض، تاركاً وراءه إرثاً فنياً وثقافياً لا يُمحى. تجاوز تأثيره حدود لبنان ليصبح جزءاً من الوجدان العربي، حيث شكّل أعماله وعياً جماعياً وثقافياً في أكثر من مرحلة مفصلية.
خلاصة
زياد الرحباني هو أيقونة الفن اللبناني الحديث، جمع بين الموسيقى والمسرح والسياسة بروح نقدية ساخرة وجرأة فنية نادرة. منذ أولى ألحانه في سن المراهقة وحتى رحيله، ظلّ صوتاً مميزاً يعكس نبض الشارع ويعيد تعريف الأغنية والمسرح العربي.
السياق السياسي والاجتماعي
في الخمسينات والستينات، عاش لبنان ما يُعرف بـ“ العصر الذهبي"، حيث ازدهرت الحياة الثقافية والفنية بشكل غير مسبوق، خصوصاً في بيروت التي تحولت إلى مركز إقليمي للفنون والفكر.
يمكن القول بان فترة الخمسينات والستينات في لبنان كانت فترة ذهبية فبيروت كانت تُعرف بـ"باريس الشرق"، مركزًا ماليًا وثقافيًا في المنطقة. كما ان النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية )المارونية–السنية–
الشيعية( بدا مستقرًا نسبيًا، لكنه كان هشًا في العمق. من ناحية اجتماعية فقد كان صعود الطبقة الوسطى،
وانتشار التعليم سببا في ازدهار الفن والمسرح، وهو ما شكّل البيئة التي نشأ فيها زياد وسط عائلة فنية رائدة.
التوترات الطائفية والسياسية
منذ أواخر الخمسينات، بدأت تظهر أزمات سياسية متكررة بسبب الخلل في توزيع السلطة بين الطوائف.
فأحداث 1958 )ثورة صغيرة ضد الرئيس كميل شمعون( كشفت هشاشة النظام، وأدخلت لبنان في دائرة
تدخلات إقليمية ودولية. كما ان وجود اللاجئين الفلسطينيين بعد نكبة 1948، ثم تصاعد نفوذ منظمة التحرير الفلسطينية في الستينات والسبعينات، زاد من حدة الانقسام الداخلي.
في مجال المسرح والفنون الأدائية شهدت بيروت نهضة مسرحية مع أسماء مثل أنطوان كنعان ونهاد وليم صليبا، إضافة إلى تجارب مسرحية جديدة كسرت القوالب التقليدية. ظهرت فرق مسرحية شبابية، وأعمال نقدية اجتماعية وسياسية، مما جعل المسرح مساحة للنقاش العام. وعن الموسيقى والغناء برزت فيروز والأخوين رحباني كرموز موسيقية، حيث قدّموا أعمالًا جمعت بين التراث اللبناني والحداثة، وأصبحت أغانيهم جزءاً من الهوية الوطنية. انتشرت الحفلات والمهرجانات، مثل مهرجانات بعلبك الدولية التي استقطبت فنانين عالميين، ورسخت لبنان كوجهة ثقافية. وفي مجالي الأدب والصحافة ازدهرت الصحافة اللبنانية، وأصبحت بيروت مركزاً للنشر والطباعة في العالم العربي، حيث صدرت مجلات ثقافية وفكرية مثل الآداب وشعر. الأدباء اللبنانيون مثل يوسف الخال وأنسي الحاج قادوا حركة الشعر الحديث، وأدخلوا قصيدة النثر إلى المشهد الأدبي العربي. كما ان شهدت السينما اللبنانية بدايات قوية، مع إنتاج أفلام محلية وأخرى مشتركة مع مصر وسوريا، ما جعل بيروت محطة مهمة في صناعة السينما العربية. باختصار فان المناخ الثقافي العام ارتفع في حقبة تميزت بانفتاح سياسي نسبي وحرية فكرية، مما سمح بتعدد التيارات الفكرية: قومية، يسارية، ليبرالية. بيروت كانت ملتقى المثقفين العرب، حيث لجأ إليها كتّاب ومفكرون من مختلف الدول، ما عزز دورها كـ"عاصمة الثقافة العربية".
باختصار، الخمسينات والستينات في لبنان كانت فترة ذهبية للفنون والموسيقى والمسرح والأدب، حيث
تداخلت الحداثة مع التراث، وجعلت بيروت مركز إشعاع ثقافي عربي .هذه المرحلة لا تزال تُستحضر اليوم كرمز للنهضة والانفتاح قبل اندلاع الحرب الأهلية عام .1975
السبعينات: الطريق إلى الحرب
مع بداية السبعينات، تزايدت المواجهات بين الأحزاب اللبنانية المختلفة، واشتدت الاستقطابات الطائفية والسياسية. فبدأ الاقتصاد يتراجع، والمدينة التي كانت مركزًا للثقافة والفن تحولت تدريجيًا إلى ساحة صراع. كما ان الوجود الفلسطيني ساهم في اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، نتيجة تراكم طويل من الانقسامات البنيوية، التدخلات الإقليمية، والصراع حول هوية لبنان.
أثر هذه الظروف على زياد الرحباني
وُلد زياد في بيت فني )فيروز وعاصي الرحباني(، وسط لبنان المزدهر ثقافيًا، لكنه في الوقت نفسه كان يعيش توترًا سياسيًا واجتماعيًا متصاعدًا. هذا التناقض بين النهضة الفنية والانقسام السياسي انعكس في أعماله لاحقًا: موسيقى تحمل روح التجريب والحداثة، ومسرحيات ساخرة تكشف تناقضات المجتمع اللبناني. كابن أكبر، وجد نفسه في قلب هذه التحولات، ما جعله أكثر جرأة في التعبير عن المواقف السياسية والاجتماعية عبر الفن.
الخلاصة :الفترة من منتصف الخمسينات حتى منتصف السبعينات في لبنان كانت مرحلة مزدوجة: ازدهار ثقافي واقتصادي من جهة، وتراكم أزمات سياسية وطائفية من جهة أخرى. هذا التناقض شكّل الخلفية التي أحاطت بميلاد زياد الرحباني ونشأته، وفسّر لاحقًا جرأته الفنية والسياسية.
المبحث الثاني التحليل النفسي:
كارل غوستاف يونج يرى أن الإبداع الممتاز يظهر عندما يقلّ ارتباط الفنان بـ اللاشعور الجمعي أثناء الأزمات الاجتماعية، فيتحرر من ضغط الجماعة ويستطيع أن يعبّر عن رؤى فردية أصيلة، لا مجرد انعكاس لما يفرضه المجتمع.
خلفية نظرية يونج
· اللاشعور الجمعي :هو مخزون من الرموز والصور البدائية )الأرشيتايب( التي يشترك فيها البشر جميعًا، موروثة من تجارب الأسلاف.
· عادةً، الفنان يتأثر بهذا المخزون ويعيد صياغته في أعماله، لكن في الأزمات الاجتماعية يصبح ضغط الجماعة قويًا، وقد يفرض على الفنان أن يكرر أنماطًا مألوفة أو شعارات جماعية.
· يونج يعتقد أن الإبداع الحقيقي يتطلب أن يخفّ هذا الضغط، بحيث يبتعد الفنان عن الانصهار في الجماعة ويستمع أكثر إلى أعماقه الفردية.
كيف يفسر يونج الإبداع في الأزمات؟
عن طريق تقليل الشعور الجمعي :يعني أن الفنان لا يذوب في مشاعر الجماعة )الخوف، الغضب، الحماس
السياسي(، بل يخلق مسافة نفسية بينه وبينها. هذه المسافة تمنحه حرية أكبر لاستدعاء صور من لاشعوره
الشخصي والرموز الأرشيتابية، فيحوّلها إلى أعمال فنية أصيلة. بينما معظم الناس في الأزمات يكررون ردود فعل نمطية، الفنان المبدع يخرج من هذا القيد ويقدّم رؤية جديدة، وهذا ما يجعل إبداعه "ممتازًا".
في الحروب أو الثورات، كثير من الأدب والفن يصبح دعائيًا أو جماعيًا. لكن بعض الفنانين الكبار يبتعدون عن هذا التيار ويقدّمون أعمالًا تتجاوز اللحظة، مثل لوحات بيكاسو في "غيرنيكا "التي لم تكن مجرد صدى للشعور الجمعي، بل رؤية رمزية عميقة عن العنف والدمار. يونج كان يرى أن مثل هذه الأعمال تنبع من قدرة الفنان على تحويل صور اللاوعي إلى رموز، لا من مجرد ترديد مشاعر المجتمع. وقد أدرك زياد ذلك قبيل وفاته وتمني لو انه غادر بيروت وقت الحرب كما فعل الشاعر بشارة الخوري وأقام بباريس يرعي فنه!
خلاصة فكر يونج
الإبداع الممتاز = استقلال الفنان عن الشعور الجمعي + استدعاء الرموز الأرشيتابية من اللاوعي. والأزمات الاجتماعية قد تضغط على الفنان ليكون صوت الجماعة، لكن المبدع الحقيقي يقلل هذا الاندماج ويحوّل الأزمة إلى مادة رمزية تتجاوز حدود اللحظة.:
إذن لنقارن بين يونج وفرويد في تفسير الإبداع:
فرويد: الإبداع كتنفيس عن المكبوت
يرى فرويد أن العمل الفني هو تسامي (Sublimation) لرغبات ودوافع جنسية أو عدوانية مكبوتة. فالفنان يحوّل طاقاته المكبوتة إلى صور ورموز مقبولة اجتماعيًا، ليبدع بدل أن ينفجر نفسيًا. الإبداع عنده مرتبط باللاشعور الفردي، أي بما يخفيه الشخص من رغبات شخصية.
يونج: الإبداع كاستدعاء للرموز الجمعية
يركز يونج على اللاشعور الجمعي، أي المخزون الرمزي المشترك بين البشر. الفنان المبدع يستدعي هذه الرموز ويعيد صياغتها في شكل جديد، لكن بشرط أن لا يذوب كليًا في مشاعر الجماعة أثناء الأزمات. الإبداع عنده ليس مجرد تنفيس فردي، بل هو تجسيد رمزي يربط الفرد بالإنسانية كلها.
عند فرويد: الفن هو علاج نفسي للفنان. أما بالنسبة ليونج: فالفن هو رسالة رمزية للبشرية. كلاهما يتفق أن الإبداع ينبع من اللاوعي، لكن يختلفان في مصدره )فردي عند فرويد، جمعي عند يونج(
تطبيق رؤية يونج وفرويد على تجربة زياد الرحباني يفتح لنا زاوية ثرية لفهم إبداعه:
من منظور يونج
· النشأة الفنية :زياد تربى في بيت عاصي وفيروز، أي في بيئة مشبعة بالرموز الموسيقية والقصصية التي تشكّل جزءًا من اللاشعور الجمعي اللبناني والعربي.
· البيانو منذ الصغر :هذا جعله قادرًا على تحويل الرموز الجمعية إلى لغة موسيقية شخصية، أي أنه لم يكتفِ بتكرار التراث الرحباني بل أعاد صياغته برؤية نقدية وساخرة.
· المجتمع الطائفي والحرب الأهلية :هنا يظهر ما قاله يونج؛ فزياد لم يذُب في الشعور الجمعي الطائفي، بل قلّل من اندماجه فيه، وبدل أن يكون صدى لشعارات الحرب، قدّم أعمالًا ساخرة وناقدة تكشف عبثية الانقسام.
· الإبداع الممتاز عنده :هو قدرته على تحويل الأزمة اللبنانية إلى رموز موسيقية ومسرحية تتجاوز اللحظة، مثل مسرحياته التي فضحت الطائفية عبر السخرية والرمزية، لا عبر خطاب مباشر.
من منظور فرويد
· اللاشعور الفردي :زياد حمل داخله توترًا بين إرث والده الفني وضغط الواقع الطائفي.
· أعماله يمكن فهمها كتسامي لرغبات مكبوتة: الغضب من الحرب، السخرية من السلطة، التوتر الشخصي الناتج عن بيئة عائلية فنية ضخمة.
· المسرحيات الساخرة والأغاني النقدية هي تنفيس لهذه المكبوتات، لكنها تحوّلت إلى فن مقبول اجتماعيًا، أي أنها تسامي بالمعنى الفرويدي.
يمكن القول بأن زياد الرحباني مثال حيّ على ما قصده يونج:
فرغم وجوده في مجتمع طائفي مأزوم، الا أنه لم يذُب في الشعور الجمعي، بل استقل عنه ليقدّم رؤية رمزية ساخرة تتجاوز اللحظة. وفي الوقت نفسه، يمكن فهم أعماله عند فرويد كتسامي لرغبات مكبوتة، حيث حوّل غضبه ورفضه للواقع إلى موسيقى ومسرحيات. كان من الممكن ان يكون زياد في جانب الكتائب خصوصا وقد رغب في حراسة الرئيس بشار الجميل، ولكن والده أدركه قبل الانخراط بينما حين تفجرت أحداث مخيم "تل الزعتر" تحولت وجهته
ورغم مشاركته في الحرب من الجهة الأخرى الا انه ما لبث ان أدرك عبثتيها فأخرج مسرحيته "فيلم أميركي طويل(1980) "، التي جاءت في قلب الحرب الأهلية اللبنانية.
تحليل يونج
· الابتعاد عن الشعور الجمعي :المسرحية لم تكن مجرد صدى للشعارات الطائفية أو الحزبية، بل قدّمت رؤية ساخرة تكشف عبثية الحرب. زياد لم يذُب في مشاعر الجماعة، بل استخدم السخرية والرمزية ليُظهر أن المجتمع غارق في تكرار لا معنى له.
· الرموز الجمعية :المسرحية مليئة بصور مألوفة للبنانيين )المقاهي، النقاشات السياسية، الانقسام
الطائفي(، لكنها تتحول إلى رموز تكشف عن أزمة إنسانية أوسع، أي أنها ليست فقط عن لبنان بل عن الإنسان في مواجهة العبث.
· الإبداع الممتاز :هنا يظهر ما قصده يونج؛ زياد حوّل الأزمة إلى عمل رمزي يتجاوز اللحظة التاريخية، بدل أن يكون مجرد خطاب سياسي مباشر.
تحليل فرويدي
· التسامي :زياد كان يعيش ضغطًا نفسيًا هائلًا بين إرث الرحابنة الفني وبين واقع الحرب. المسرحية يمكن فهمها كتسامي لغضبه وسخريته من الواقع، حيث حوّل التوتر الشخصي والاجتماعي إلى فن مقبول اجتماعيًا.
· المكبوت الفردي :السخرية اللاذعة واللغة الشعبية الساخرة تعكس رغبات مكبوتة في التمرّد على السلطة والطائفية، لكنها خرجت في شكل مسرحية فنية بدل أن تكون انفجارًا عدوانيًا مباشرًا.
اذن عند يونج: زياد الرحباني قدّم عملًا يبتعد عن الشعور الجمعي الطائفي، ليكشف رمزيًا عن عبثية الحرب. وعند فرويد: المسرحية كانت وسيلة لتفريغ مكبوتاته وتحويل غضبه إلى فن ساخر.
· النتيجة" :فيلم أميركي طويل "مثال حيّ على كيف يمكن للإبداع أن يكون في آن واحد رمزيًا كونيًا
)يونج( وتنفيسيًا فرديًا )فرويد(
ولم تقتصر سخريته علي المسرح، فبتطبيّق نفس التحليل على أغنية "بما إنو "لزياد الرحباني، باعتبارها نموذج موسيقي ساخر من الواقع اللبناني فان: التحليل من منظور يونج يكشف الابتعاد عن الشعور الجمعي : فالأغنية ساخرة من الواقع اللبناني، خصوصًا من الخطاب السياسي والطائفي الذي يكرّر نفسه بلا جدوى. وزياد لم يذُب في هذا الخطاب، بل أخذ مسافة نقدية منه. وعن الرموز الجمعية :الأغنية تستعمل لغة الناس اليومية، لكنها تتحول إلى رمز يكشف عن العبث الجمعي .أي أن الأغنية ليست مجرد نكتة، بل رمز لدوامة المجتمع اللبناني في الحرب والانقسام. وأخيرا الإبداع الممتاز :زياد حوّل الأزمة الطائفية إلى عمل موسيقي ساخر يتجاوز اللحظة، ويكشف عن أزمة إنسانية أوسع: كيف يكرر البشر نفس الأخطاء بلا وعي. بينما التحليل من منظور فرويد يكشف التسامي :الأغنية تمثل تنفيسًا لرغبات مكبوتة؛ الغضب من السياسيين، السخرية من الطائفية، الإحباط من الحرب. قام زياد بتحويل هذه المشاعر المكبوتة إلى موسيقى ساخرة بدل أن تكون انفجارًا عدوانيًا مباشرًا. كما ان اللاشعور الفردي :يظهر في نبرة التهكم واللغة الشعبية التي تعكس تمرّدًا شخصيًا على السلطة والواقع.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق